في عالم يتسم بالتسارع الرقمي والهيمنة البصرية، شهد مفهوم النضال تحولا جذريا، من نضال التضحية والمواجهة الميدانية إلى نضال الصورة والظهور الإعلامي. هذا التحول لم يكن بريئا، بل جاء ليُضعف القيم النضالية الأصيلة، ويُفرخ جيلا جديدا من المناضلين الافتراضيين الذين يبحثون عن الشهرة أكثر من البحث عن التغيير الحقيقي للواقع ومناهضة الاحتلال وتقديم مزيد من التضحيات لبلوغ الغايات.
المناضل الميداني: رمز التضحية والمبادئ
المناضل الميداني هو ذلك الشخص الذي يتبنى قيما ومبادئ راسخة، تجعله يختلف عن الإنسان العادي. يتميز بالشجاعة والاستعداد الدائم لتقديم التضحيات، بل وإعادة تقديمها كلما تطلبت الظروف ذلك. هذا النوع من المناضلين لا يعرف الخوف، ولا يتراجع أبدا. هو زاهد في الدنيا، لا يبحث عن المكاسب الشخصية، بل يكون دائما في المقدمة، يقود الجماهير ويواجه المخاطر بكل إقدام.
المناضل الميداني لا يخشى المواجهة، بل يرى فيها سبيلا لتحقيق الأهداف النبيلة. هو ليس مجرد قائد، بل قدوة تُلهم الآخرين بالعمل والتفاني. وجوده في الميدان يعطي الجماهير الثقة والقوة، لأنه يعيش معهم، ويشاركهم معاناتهم، ولا يتردد في أن يكون في الصفوف الأولى عند أي تحرك.
مناضل الصورة: الوجه الآخر للنضال الزائف
في المقابل، ظهر نوع جديد من المناضلين، هم “مناضلو الصورة”. هؤلاء لا يبحثون عن التضحية أو المواجهة، بل يبحثون عن الظهور والانتشار. هم استغلاليون بامتياز، يغيرون مبادئهم حسب الظروف وحسب الطلب، ويستغلون أي فرصة لالتقاط الصورة، حتى لو كان ذلك على حساب معاناة الآخرين.
مناضل الصورة لا يكون أبدا في مقدمة الجماهير، بل يفضل البقاء في الخلف، بعيدا عن أي خطر حقيقي. هو لا يحب التضحية، بل يعشق الافتخار والتباهي بانتصارات وهمية لا تتجاوز مساحات منصات التواصل الاجتماعي. معاركه افتراضية، تبدأ وتنتهي بنشر صورة أو تغريدة، دون أي تأثير حقيقي على الأرض.
نضال الصورة: سرطان يهدد القيم النضالية
ظاهرة “نضال الصورة” لم تكن مجرد تحول عابر، بل أصبحت سرطانا يجتاح الساحة النضالية. هذا النوع من النضال أضعف الروح النضالية الحقيقية، وفرخ جيلا من المناضلين الافتراضيين الذين يعتمدون على الصورة والشهرة بدلا من العمل الجاد والتضحية.
نضال الصورة حوّل النضال من فعل جماعي يعتمد على التضامن والتضحية، إلى مسرح فردي يبحث فيه كل شخص عن تحقيق ذاته عبر الظهور الإعلامي. هذا التحول أدى إلى تآكل القيم النضالية الأصيلة، وأصبح المناضل السيء، الذي يبحث عن الشهرة، يُزيح المناضل المبدئي الذي يبحث عن التغيير الحقيقي.
في ظل هذا التحول الخطير، يصبح من الضروري العودة إلى الجذور النضالية الأصيلة. النضال الحقيقي لا يعتمد على الصورة أو الظهور، بل على التضحية والمواجهة الميدانية. المناضل الحقيقي هو الذي يكون في المقدمة، يقود الجماهير ويواجه المخاطر، وليس الذي يختبئ خلف الشاشات ويبحث عن الشهرة.
في ظل التحولات الخطيرة التي تشهدها الساحة السياسية والاجتماعية، سواء على المستوى المحلي أو العالمي، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم النضال وأساليبه. النضال الحقيقي لا يمكن اختزاله في الصور الرمزية أو الخطابات الإعلامية الجذابة، بل هو فعلٌ يتطلب التضحية والالتزام والمواجهة المباشرة مع التحديات.
المناضل الأصيل هو الذي يضع نفسه في الخطوط الأمامية، ليس فقط ليكون رمزا للشجاعة، بل لأن النضال الحقيقي يتطلب الاحتكاك المباشر مع الواقع، مع آلام الناس ومعاناتهم، ومع القوى التي تسعى إلى قمع الحريات وإخماد الأصوات الحرة. النضال ليس مسرحا للظهور أو البحث عن الشهرة، بل هو التزام أخلاقي وسياسي يتطلب الصبر والاستمرارية، حتى في أصعب الظروف.
في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل على البعض أن يختزلوا النضال في منشورات أو تغريدات، أو أن يبنوا صورا شخصية زائفة كـ”مناضلين” دون أن يخوضوا غمار المعركة الحقيقية. لكن النضال الحقيقي لا يتم خلف الشاشات، بل في الشوارع، في الأحياء الفقيرة، في مواجهة القمع والظلم. المناضل الحقيقي هو الذي يقود الجماهير ليس بالكلمات فقط، بل بالفعل والمثال، وهو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن قراراته وأفعاله.
علاوة على ذلك، النضال الأصيل يتطلب الوحدة والتضامن بين أفراد المجتمع، فالفرد وحده لا يستطيع أن يحقق التغيير الجذري، بل يحتاج إلى حركة جماعية تعبر عن تطلعات الناس وتعمل على تحقيقها. المناضل الحقيقي هو الذي يعمل على بناء هذه الحركة، وليس على تفكيكها أو استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية.
في النهاية، النضال ليس مجرد شعارات أو صور، بل هو التزام دائم بمبادئ العدل والحرية، وهو استعداد دائم للتضحية من أجل قضية أكبر من الذات. المناضل الحقيقي هو الذي يبقى في الميدان، حتى عندما تهدأ الأضواء وتختفي الكاميرات، لأنه يؤمن بأن التغيير الحقيقي يحتاج إلى وقت وجهد وصبر.
لن يكون هناك تغيير حقيقي دون العودة إلى القيم النضالية الأصيلة، ودون التضحية والتفاني. نضال الصورة قد يكون ظاهرة عابرة، ولكن النضال الحقيقي هو الذي سيخلق التغيير ويبني المستقبل.
المجد و الخلود للشهداء
حسنة ادويهي
العيون المحتلة : 04 مارس 2025